أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
179
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
الألف لا يتعين إلا أن ينقل عنه أنه يقف في هذه القراءة بسكون الشين ، فإن لم ينقل عنه في ذلك شيئا فاحتمل أن تكون الألف حذفت لالتقاء الساكنين ، الأصل : حاشا الإله ، ثم نقل فحذف الهمزة وحرك اللام بحركتها ، ولم يعتد بهذا التحرك ، لأنه عارض كما يحذف في نحو : « يخشى الإله » ولو اعتد بالحركة لم تحذف الألف . قلت : الظاهر أن الحسن يقف في هذه القراءة بسكون الشين ، ويستأنس له بأنه سكن الشين في الرواية الأخرى عنه ، فلما جيء بشيء محتمل ينبغي أن يحمل على ما صرح به صاحب اللوامح ، وهذا يدل على أنه حرف جر يجر به ما بعده ، لا يصح لما تقدم من أنه لو كان حرف جر لكان مستثنى به ، ولم يتقدم ما يستثنى منه بمجروره . واعلم أنّ اللام الداخلة على الجلالة متعلقة بمحذوف على سبيل البيان ، كهي في « سقيا لك ووعيا لزيد » عن الجمهور ، وأما عند المبرد والفارسي ، فإنها متعلقة بنفس « حاشَ » ، لأنها فعل صريح عندهما ، وقد تقدم أن بعضهم ادعى زيادتها . قوله : ما هذا بَشَراً العامة على إعمال « ما » على اللغة الحجازية . وهي اللغة الفصحى ، ولغة تميم الاهمال ، وقد تقدم تحقيق هذا أول البقرة « 1 » ، وما أنشدته عليه من قوله : 2814 - وأنا النّذير بحرّة مسودّة * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . 2815 - . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . * . . . . . . . . . . . . . . . . البيتين « 2 » ونقل ابن عطية أنه لم يقرأ أحد إلّا بلغة الحجاز . وقال الزمخشري : « ومن قرأ على سليقته من بني تميم قرأ « بشر » بالرفع ، وهي قراءة ابن مسعود » . « قلت : فادعاء ابن عطية أنه لم يقرأ به ، غير مسلم ، وقرأ العامة « بَشَراً » بفتح الباء على أنها كلمة واحدة . وقرأ الحسن وأبو الحويرث الحنفي « بشرى » بكسر الباء وهي باء الجر دخلت على « شرى » فهما كلمتان جار ومجرور ، وفيها تأويلات : أحدها : ما هذا بمشتري ، فوضع المصدر موضع المفعول به ك « ضرب الأمير » . الثاني : ما هذا بمباع ، فهو أيضا مصدر واقع موقع المفعول به ، إلا أن المعنى مختلف . الثالث : ما هذا بثمن ، يعنين أنه أرفع من أن يجرى عليه شيء من هذه الأشياء . وروى عبد الوارث عن أبي عمرو كقراءة الحسن وأبي الحويرث ، إلا أنه قرأ بكسر اللام أيضا للمناسبة بين المعنيين . ولم يذكر الزمخشري هذه القراءة كسر الباء البتة ، بل وفهم من كلامه أنه لم يطلع عليها فإنه قال : وقرىء : « ما هذا بشرى » أي : ما هو بعبد مملوك لئيم « إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ » ، تقول : هذا بشرى ، أي : حاصل بشرى ، بمعنى : مشتري ، وتقول : هذا لك بشرى أو بكرى ؟ والقراءة هي الأولى ، لموافقتها المصحف ، ومطابقة « بشر » ل « مَلَكٌ » . قوله : لموافقتها المصحف ، يعني : أن الرسم « بَشَراً » بالألف لا بالياء ، ولو كان المعنى على « بشرى » لرسم بالياء . وقوله : ومطابقة دليل على أنه لم يطلع على كسر اللام ، عمّن قرأ بكسر الباء . [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 32 إلى 34 ] قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ( 32 ) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ( 33 ) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 34 )
--> ( 1 ) آية ، رقم ( 28 ) . ( 2 ) تقدما .